أنزلُ إلى مجمَّع السفريات في "العبدلي". أستجيبُ إلى كفٍّ تدعوني للنزول بصَوْتٍ عَجٌولٍ:"ع الشام ع الشام"، ويسافرُ قلبي هناك، بينما أظلُّ هُنا، في سيَّارَتي المَرْكونَةِ على جانبِ طريقٍ فرعيَّةٍ، أسمَعُ أغنيَةً لصَوْتٍ موجوع بالحنين، ثمَّ أمضي إليها من طريق أخرى لا تنتهي بها؛ فصحيح أنه ليست كلُّ الطرق تؤدِّي إلى "الشام"، لكن كلُّها تهجِسُ بالوصولِ إليْها!
حين أُكْسَرُ إلى هلاليْن..؛ يتحدَّثُ الناس الفضوليون عن رجلٍ وقورٍ أتعبَهُ الحنينُ إلى الشام وامرأة، رجلٍ ما يزالُ يُردِّدُ في خشوعٍ محاسِنَ مدينَةٍ تمنَحُ الغريبَ "الكأس بالراح"، وكلَّما دخَلَ مدينَةً حدَّثَ نساءَها عن امرأةٍ بيضاءَ كالثلج الدافئ، ويُسْهبُ كالعاشق في حديثٍ عن حُبٍّ ضائعٍ، ويُخاطبُ المدنَ كالنساءِ:"أحبُّكِ حينَ أكونُ حبيبَ سواكِ"!
ليْتَني قلبٌ فقط، وجسدي تتمَّةُ الروح، فتذهبُ بي هذا المساء إلى الشام، فلي هناك مقعدٌ شاغرٌ في مقهى "الروضة"، وصليبٌ خشَبيٌّ مكسورٌ ضلعه الأيمن في "باب توما"، ودعاءٌ في منتصَفِ المسافة القصيرة بين "الجامع الأمويِّ" والسماءِ. لي قصيدَةٌ لم يكتبها "نزار قباني" بعد، وبحرٌ جديدٌ في رواية تستعصي تسميَتُها على "حنا مينا"، وموعدٌ صحفي مؤجَّلٌ من الشتاء الماضي مع "جمال سليمان"، وأصدقاءٌ طيبون وآخرونَ يتسمونَ بالدهاء، وقليلٌ من الحيلَةِ التي لم تُنجِّهم من "النيران الشقيقة"!
ولي في الشام ما ليس في المدن: امرأة لم يُفسدها الشوق، تنتظرُني ريْثَما تَصيرُ الهُدْنَة مُوْسماً لتزاوج الكائناتِ، وموعداً نهائياً لكتابة القصائِدِ التي تصفُ مذاقَ الألمِ. يقولُ شاعرٌ قُتلتْ حبيبَتُهُ في غارة زائدةٍ لتبديد ضجر الطيَّار:"كانَ الألمُ لاذعاً مثلَ نبيذٍ فاسِدٍ". ولي في الشام ما لم أجدهُ في غيرِها من النساءِ: مدينَةٌ لم يُفسدها الشوق!
هكذا يمكنُني أنْ أكونَ واضحاً كالشمسِ قبلَ الغارة الجويَّةِ، وأقول باعتدادِ عاشقٍ:حبُّ الشام كفاني شرَّ النساءِ. ويمكنُني أيضاً أنْ أكونَ باسماً كالقَمَرِ بعد الغارَةِ الجويَّةِ، وأقولُ باعتدادِ شاعرٍ: الشامُ ليست امرأة كما تظنون من كلامي؛ هي مدينَةٌ من شَجَرٍ وبشرٍ..؛ ونساء تغار منها المدن "التي يغسلُ شوارعُها المطر"!
فـ "الشاميَّاتُ هنَّ الجميلات"، وهنَّ رائحَةُ الحياةِ حين تتخلَّصُ من عبء الطغاة. وهنَّ للعاشق صيغَة الجمال الخارجة عن المتداول والمألوف. أعرفُ ذلك عن كثب، ففي ستَّة أيام أحبَبْتُ كلَّ نساءِ الشام، ثمَّ استَرَحْت، ثمَّ بالَغْتُ في العشق حتى توحَّدت الألوان في ناظري..؛ وفي الشام فقط الأبيض إما نساء أو ياسمين!
ولي في الشام ما ليس لكلِّ الرجال: شامَةٌ أو وشمٌ في القلب، وامرأةٌ صباحُها أول هواءِ الصباحِ على أعلى صليبٍ في دمشق، ومساؤها "ذَهَبْ". امرأةٌ موجودة في "القصيدة الدمشقية"، لم أتحدَّثْ عَنْها، ولم أكشِفْ للرِّجال الذين يُعانونَ من داءِ العطش المُزْمِنِ شيئاً من أسرارِها. أحبَبْتُها بكتمانٍ "وأحلى ما في الهوى التضمينُ"، أكتفي أنْ تقولَ لي:"بْحبَّكْ يا عمري"؛ فبصوتُها فقط أشمُّ الشامَ!
على جانب طريق فرعيَّةٍ، ما أزال أسمَعُ أغنيَةً لصَوْتٍ موجوعٍ بالحنينِ:" مشتاقْ يا سوريَّة، مشتاقْ يا أهل الشامْ"، وأكتبُ على الريح الجافة: خذوني إلى الشام فما عاد في القلب هواء. ولقد أفرغتُ قلبي من الأمنيات، وما عاد لي منها سوى أمنيةٍ أو أمنِيَتَيْن: أنْ أزورَ الشامَ، أو تزورَني، وأستكمِلَ الحبَّ حتى منتهاه.. فكلُّ حبِّ لا يَمُرُّ بالشام "لا يُعوَّلُ علَيْه"!
nader.rantisi@alghad.jo